العناية المكثفة بالجنين عبر عيادات رعاية الحوامل وفي مراحل الولاد

د. كميل موسى فرام
أستاذ مشارك/ كلية الطب- الجامعة الأردنية
استشاري النسائية والتوليد/ مستشفى الجامعة الأردنية؟
حتى زمن قريب كان الهدف الرئيسي من الرعاية والحرص للسيدة الحامل بأسابيع الحمل الأخيرة يتركز على منع حدوث الوفيات المتعلقة بأمراض شائعة مثل السل والسيلان أو نتيجة مضاعفات الولادة بالتحديد كالولادات المتعسرة أو مشاكل ارتفاع ضغط الدم بمتلازمته الشهيرة أو النزيف الرحمي بعد الولادة.
وعند معالجة هذه الأمور والسيطرة عليها وبسبب تواصل الأبحاث والجهود والتحليل وصولا لمرحلة الاستقرار، فقد تنفس الباحثون بقدر من الاطمئنان ليصبح الهدف الأسمى مبرمجا على الطرف الآخر لمشروع الحمل بالعناية المكثفة بالجنين بعيادات رعاية الحوامل وأثناء مراحل الولادة للمحافظة على سلامة الضيف القادم لعالمنا المجنون، وللإنصاف فإن العناية تسير بنفس القدر والرعاية على طرفي المعادلة، فالخسارة بأي منهما تترك آثارها المدمرة على الطرف الآخر.


مضاعفات الحمل والولادة على الجنين

بالرغم من عدم شيوع حدوث الوفيات قبل الولادة، إلا أن ذلك يسجل بالإحصائيات الطبية العالمية بأضعاف تلك الوفيات المفاجئة، وهي قاعدة مؤسفة بالمعنى والنتيجة عند تطبيق أركانها على مضاعفات الحمل والولادة على الجنين على المدى البعيد، فالتسبب بإعاقات وتشوهات لأطفال حديثي الولادة نتيجة الانحراف عن مثالية العناية الطبية وأساسياتها ومهما كان مبررها، يمثل جريمة طبية يعاقب عليها القانون الأخلاقي بشعور المذنب، فانتشار عيادات رعاية الحوامل وبرامج الرعاية المتوفرة والجهود الطبية والإعلامية قد جعلت المعلومات الطبية متوفرة على مدار الساعة، ولم يعد مقبولا بالدرجة المطلقة أن نستمع لمصيبة طبية قد حدثت أثناء مراحل الحمل والولادة، فحدوث ذلك يمثل احدى صور التأخر والإهمال ببرامج العناية والتطبيق.
قبل الإسهاب بالحديث عن أهمية الفحوصات الأساسية للاطمئنان على سلامة الجنين، وقبل المباشرة بسرد ترتيبها، فلا بد من التذكير بضرورة وجود خطة علاجية متكاملة تناسب النتائج، فلكل فحص هدف واضح ومحدد ونتيجة تحلل أبعادها للتعامل معها، ومقدمتها تبحث عن فائدة ومعلومة جديدة، وهل يمكن الاستفادة منها بالخطة العلاجية للحمل؟ وهل هناك فرصة لتشخيص أي خلل يهدد أيا من طرفي المعادلة؟ وهل النتيجة غير الطبيعية من شأنها زيادة درجة الخطر والتأثير السلبي على مساق الحمل والولادة؟ وهل محصلة النتيجة النهائية ستساهم بانخفاض مضاعفات الحمل والولادة على الجنين والأم؟  
هناك العديد من الفحوصات التقييمية التي توظف اليوم بهدف الاطمئنان على سلامة الجنين بمراحل الحمل النهائية، وتعتمد درجة التصنيف والتقدير لأي من تلك الفحوصات على النتائج التي أضافتها بسجل الانجازات الطبية، حيث تتربع العديد منها بالقاعة الذهبية لإضافتها النوعية على مستقبل الجنين والتي تجعل من شيوع استعمالها أمراً مقدرا ومرحبا فيه، كما أنها تصبح جزءا مهما من وسائل التقييم والتي توظف بمبررات طبية للاطمئنان على سلامة الجنين.

برامج العناية بالسيدة الحامل والجنين
ولكن ذلك لا يحمل الجواب الشافي للحكم لمنح أي من تلك التجارب قلادة مكافأة الفضل، فليس من المؤكد أن الفحص التشخيصي بنتائجه التي تنعكس على الخطة العلاجية هو صاحب الانجاز، أم أن هناك تطورا وتركيزا واهتماما ببرامج العناية بالسيدة الحامل والجنين، على أن يكون الهدف الأسمى واليتيم لهذه الفحوصات وبدرجاتها المختلفة ينحصر بالاطمئنان القطعي على سلامة الجنين بالمرحلة العمرية وسلامة عناصر البيئة المتوفرة له داخل الرحم، ليكون القرار الحكيم باستمرار الحمل للفترة المتبقية فيحرم التدخل الطبي المبكر بدون سبب شرعي يبرره ويشفع له، فالجنين الذي يأخذ فرصة النمو كاملة برحم أمه من حيث التطور واكتمال وظائف الأعضاء، لن يحمل هواجس الخوف والحرص على مستقبل الأيام العاصف لنتائجه التي تبعث رسالة أمان واطمئنان للوالدين والطبيب المشرف والمجتمع.

تشخيص وجود درجة من تأخر النمو
المحصلة النهائية أحيانا قد تحمل في جعبتها نتائج تتطلب الحذر بتحليل أركانها، ويمكننا الذكر أن هناك بعض الملاحظات التي تستحق الوقوف عليها كنتيجة حتمية لمثل هذه الفحوصات بالفترة الزمنية القريبة من موعد الولادة المتوقع أو المبرمج، فربما يتم تشخيص مؤسف بوفاة الجنين داخل الرحم بدون علامات تحذيرية تدق ناقوس الخطر، ويمكن تشخيص وجود درجة من تأخر النمو والتي تستوجب تدخلا طبيا مبكرا أحياناً، أو أن هناك نتيجة غير مطمئنة لبعض الفحوصات والتي تسجل ظروف الجنين داخل الرحم كمؤشر نقص كمية الأوكسجين وما يرافقها من مضاعفات صحية مؤلمة بمستقبل الجنين وطفولته، كما يمكن لهذه الفحوصات الحكم بوجود بوادر ولادة مبكرة وما تحمله هذه الواقعة من مضاعفات صحية سلبية للجنين بالمدى القريب والبعيد والتي تتطلب أيضا بتوفير ظروف الولادة بوحدة تكون وحدة الخداج فيها أحد المرافق الأساسية المتوفرة بخدمات وإمكانات يمنع فيها الانحراف عن الأسس العلمية وبأي درجة، كما يمكن لهذه الفحوصات تشخيص بعض التشوهات الخلقية والتي تعطي مؤشرا معينا بدرجة الاختصاص لكل منها من حيث الرعاية اللازمة أثناء مراحل النمو التالية والولادة وما بعدها.

إعطاء علاجات معينة
بالمقابل فهناك قائمة طويلة من النتائج والإجراءات كمحصلة للفحوصات، فقد يكون هناك قرار بتدخل مبكر للولادة واللجوء لطريقة ولادة لم تدرج بخطة الحمل منذ البداية، وقد يتطلب الأمر إعطاء علاجات معينة بفترة زمنية سيكون لها تأثير على المدى القريب أو البعيد، ناهيك عن الاضطراب العائلي الناتج للواقع الجديد، وهنا فإن استخدام مفردات البرنامج التشخيصي تلزم الطبيب المعالج برؤية واضحة ومفسرة للسيدة الحامل بلغتها، على أن تتضمن الخطة العلاجية حلولا للنتائج المتوقعة ويمنع التقليل من أهميتها أو إهمالها، فالبرنامج يمثل سلاحا يمكنه التأثير السلبي بحياة الجنين القادم إن لم يوظف بمبرر مناسب وتوقيت مثالي، كما يمكنه من لعب دور المنقذ للجنين نتيجة عواصف الظروف الداخلية وضبابيتها على أن يكون عنوان البرنامج وهدف تطبيقه هما الوصول بقارب الحمل لمحطته الأخيرة بسلام.

حالات الحمل الزائد المدة
وللتوضيح، فهناك فئة من الحوامل والتي تتطلب ظروفها إدراجها بالبرنامج خصوصا في حالات الحمل العالي الخطورة، ومنها الحوامل المعرضات لشكل من أشكال نقص التروية الصحية والغذائية للجنين نتيجة خلل بوظيفة المشيمة أو عجزها المبكر مثل حالات الحمل الزائد المدة عن الحد الأعلى، أو حالات الحمل المرافقة لأوضاع مرضية مؤثرة مثل الإصابة بمرض السكري وانعدام ضبط مستوى سكر الدم أو ارتفاع ضغط الدم المرتبط بالحمل أو السابق له، أو هناك تاريخ مرضي لعارض صحي أثناء حمل سابق أو الحمل بمرحلة عمرية متقدمة وغير مثالية أو أن الحمل متعدد الأجنة وما يحمله هذا الواقع من مخاطر صحية مكلفة، أو وجود متلازمات مرضية لأي من طرفي المعادلة، أو بظروف الحمل لزوجين بدرجة من القربى أو أن هناك ملاحظة بزيادة أو نقص كمية السائل المحيط بالجنين أو نقص بعدد حركات الجنين عن القدر المتوقع مع الأخذ بعين الاعتبار لوجود خلل بالتكوين أو النمو أو الظروف وغير ذلك من المبررات المشابهة.

صاروخ العلاج
السؤال المنطقي الذي يفرض نفسه عن إمكانية جدولة هذه الفحوصات لتكون جزءا مكونا من الروتين العلاجي والرعاية المقدمة للجنين؟ الجواب المثالي لن يكون بالنفي أو الإيجاب، فالنتائج أحيانا تحملنا على صاروخ العلاج بعد الإنذار الكارثي كنتيجة لتحليل تجربة تشخيصية أعطت مؤشرا سلبيا ولا يمثل الواقع، لتكون العودة لطقوس العناية الأولى المتمثلة باحترام خصوصية السيدة الحامل وشعورها وشكواها، مذكرا بالمدى الواسع من الوسائل التشخيصية المتوفرة اليوم والتي يمكن اللجوء إليها عندما يقرع جرس التحذير، وسوف أترك باب التوظيف ومناقشة ظروفها لمقالة الأسبوع القادم في هذا المكان عطفا على خاتمة وللحديث بقية.
هل اعجبك هذا الموضوع ؟

لا يوجد تعليقات حتى الأن

إرسال تعليق