إدمان النقال.. عندما يصبح الخادم سيداً!

رزان عدنان
تناولت مقالة صدرت مؤخراً عن مجلة إيكونوميست البريطانية موضوع الهواتف النقالة الذكية وتأثيرها في حياة الموظفين ورجال الأعمال. وأشارت إلى ما تقدمه هذه الأجهزة الذكية لنا من خدمات وقدرة على التواصل بيسر وسهولة، خصوصا أنها تضع عالم المعرفة بين أصابعك. وتسهل على الناس العمل من داخل البيت بدل الحضور إلى المكتب. كما تساعد هذه الأجهزة الذكية بفعالية على إنجاز المهام ببضع دقائق، يمكن بدونها هدر الكثير من الوقت. كما تساعد الكسالى الذين يتظاهرون أنهم يعملون طوال الساعة، ببرمجة بريدهم الإلكتروني وإرسال المهام عند الساعة الواحدة فجراً، وبذلك يبدو وكأنهم يكدون في عملهم.
لكن كثيرين بدأوا يشعروا أن هذه الأجهزة الذكية والكمبيوترات اللوحية التي يفترض أن يسخروها لخدمتهم، باتت تكبلهم وتقيد حريتهم، وأصبح الخادم هو السيد.
قبل مدة ليس ببعيدة، تقول ايكونوميست كنا نعتقد أن الأطباء هم فقط من يمكننا الاتصال بهم في أي وقت كان. لكن اليوم لا يشعر أرباب العمل بالحرج وهم يقلقون راحة موظفيهم في أوقات راحتهم. فالعمل أصبح يخترق البيت أكثر مما تقتحمه الأعمال الرتيبة المحلية للمكتب. من جهة أخرى، يقوم بعض الموظفين العقلاء بمراقبة هواتفهم الذكية بقلق شديد بين فترات قريبة، حتى أثناء تناولهم المشروب قبل العشاء، وإرسال رسائلهم الإلكترونية قبل كل شيء في الصباح، وقبل نومهم.
تعزو المجلة بعض أسباب هذه الحالات إلى الإدمان على الأجهزة الذكية، إذ حاول أحد الخبراء التعرف الى أكثر 10 أصوات تؤثر فيهم بقوة، فوجد أن صوت اهتزاز الهاتف جاء في المركز الثالث، بعد صوت كمبيوتر «إنتل» أثناء تشغيله، وضحك الأطفال. هذا وتوفر أجهزة بلاك بيري وآي فون باستمرار محفزات وبرامج مكافآت. حينما تفتح جهازك، لابد وأن ترى رسالة من عميل، أو رسالة شكر وتقدير من رئيسك، أو على الأقل «ايميل» من رجل نيجيري يقدم لك عرضا بقيمة مليون دولار، إذا شاركته تفاصيل حسابك المصرفي.
ومن جانب آخر، تلفت المقالة إلى جانب مهم وهو أن هذه الهواتف الذكية هي أفضل عذر يمكن اختراعه لتأجيل المهام أو الأعباء. فكم من الناس الذين يمكنهم القول بصدق انهم دققوا جيدا في رسائلهم الإلكترونية لينفضوا عن كاهلهم المهام؟
من جهة أخرى، تضخم حمى التواصل إلكترونيا من بعض أكثر الاتجاهات المقلقة في مكان العمل الحديث. فالموظفون باتوا يواجهون صعوبة أكبر في التفريق بين دوام العمل والمهام التي ينجزونها خارج أوقات وظائفهم، وبين العمل الحقيقي، وبين المهام المفروضة خارج الأوقات الرسمية.
أما كبار التنفيذيين في المؤسسات فيشعرون بالتثاقل عند تداخل أيام العمل الرسمية الممتلئة بالاجتماعات وغير الرسمية التي يقضونها وهم يحاولون الرد على سيل جارف من الرسائل الإلكترونية والمسجات.
ويعتقد محللون أن هذا الأمر يؤثر سلبا في الحياة الزوجية لرجال الأعمال أو في سلامتهم الذهنية. كما قد يكون سيئاً في نشاطهم التجاري. فعندما يغير الرؤساء آراءهم في الدقيقة الأخيرة، من الصعب التخطيط للمشاريع المستقبلية. وأظهرت دراسات عديدة أن الاتجاه السائد بين البشر في الفترات اللاحقة سيدور حول ما إذا كان ينبغي عليهم التواصل باستمرار وعدم إقفال أجهزتهم، كي يكونوا متوافرين عند الطلب أم لا.
ما الذي يمكن فعله لكي نبقي الهواتف الذكية في مكانها المناسب؟ وكيف يمكن الاستفادة من مزايا التواصل افتراضيا دون أن نصبح عبيدا لهذه الأجهزة؟ الحل كما يقول خبراء هو اتباع «حمية رقمية». فكما أن هناك وفرة من الأغذية غير الصحية يجب أن نكون منظمين في تناولها، ينطبق الأمر على وفرة المعلومات «الرديئة» التي لابد أن نسعى لضبطها أثناء عادات تصفحنا للبريد الإلكتروني وصفحات الإنترنت. على سبيل المثال، تجنب التصفح قبل الإفطار، وتجنب كتابة الرسائل النصية أثناء العطل يمكن أن يوضحا مدى سيطرتك على جهازك أو العكس.

التحكم بالجهاز
المشكلة أن مثل هذه الطريقة قد تنجح إن كنت تعمل في جزيرة خالية أو في قاع بحيرة. تقول ليسلي بيرلو من جامعة هارفرد، مؤلفة كتاب «النوم مع هاتفك النقال»، إنه يمكن السيطرة على عادة التواصل افتراضيا كما حدث في مجموعة بوسطن غروب للاستشارات، بحيث تعلموا كيفية إدارة التواصل افتراضيا بشكل أفضل. فالشركة وضعت قواعد تشير من خلالها إلى الفترات المتوقعة التي يغلق خلالها الموظفون هواتفهم، وتحفيزهم على العمل معا وليس بشكل فردي قدر الاستطاعة. في البداية سخر البعض من هذه التجربة، ومن فكرة إغلاق الهواتف الذكية؟ لكن في النهاية أجبرت هذه الخطة الموظفين على العمل بإنتاجية أكبر، وتخفيف مضار وسلبيات حمى التواصل إلكترونيا في الوقت ذاته.
يرى خبراء أنه يجب أخذ نصيحة بيرلو على محمل الجد. فمشكلة حمى التواصل افتراضيا ستسوء، إذا ما أصبحت الهواتف النقالة أذكى، وسيطرت الأجيال الشابة التي ولدت في عصر الديجيتال على سوق العمل.
تقول «أفوكوم» المشرعة للاتصالات في بريطانيا أن 60 في المائة من المراهقين الذين يستخدمون الهواتف الذكية يصفون أنفسهم بمدمني تلك الأجهزة بصورة كبيرة، مقابل 37 في المائة من الكبار.
وكلما زادت الهواتف النقالة، وباتت تطبيقاتها أكثر إغراء، صار الإدمان على استخدامها أقوى.
هل اعجبك هذا الموضوع ؟

لا يوجد تعليقات حتى الأن

إرسال تعليق